يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
193
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
غائبا عند نزوله الماء وأنك لمّا وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه ، فإن هذا أحسن لموقعه عنده ؟ فما زالت به حتى فعل ذلك ، فخرج مولاه يتبع الأعشى ، فكلما مرّ بماء قيل له : قد ارتحل أمس عنه ، حتى صار إلى منزله بمنفوحة ، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم ، فقرع الباب فقال لهم : انظروا من هذا ؛ فدخلوا إليه وقالوا : رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت ، وما زالوا به حتى أذن له ؛ فدخل وأدّى الرسالة فقال له : أقره السلام وقل : وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها ، وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر ، فلما شبع الأعشى قال : [ الطويل ] أرقت وما هذا السهاد المؤرّق * وما بي من سقم وما بي تعشق فسارت القصيدة وشاعت في العرب ، فما أتى على المحلق سنة حتى زوّج إخوته ( 1 ) الثلاث كل واحدة على مائة ناقة ، فأيسر وشرف . ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبّب بواحدة فواحدة منهنّ وبعثت له هدايا فما زال يشبّب بواحدة منهنّ واحدة حتى زوّجهنّ جميعا . 4 - وفد الأعشى على كسرى ؛ وقصد النعمان بن المنذر وأنشده : [ الطويل ] إليك - أبيت اللعن - كأن كلالها * تروح مع الليل الطويل وتغتدي ثم أنشده قصيدته : [ المتقارب ] أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطّت على ذي هو أن تزارا ويقال : إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنّي بشعره ، فكانت العرب تسمّيه صنّاجة العرب ؛ وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة ، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة ، ومما قال فيه : [ السريع ] علقم ما أنت إلى عامر * الناقض الأوتار والواتر فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا ، فخرج الأعشى يوما يريد وجها فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر ، فأخذه رهط علقمة
--> ( 1 ) ويروى أنه كان له ثمان بنات عوانس تزوّجن جميعا .